خبريات
في الفكر والسياسة

:: يسرقك العمل!

 

 

  يسرقك العمل.

عند الصباح الباكر، تسمع صوتاً بعيداً، يقترب منك بإزعاج ضيف غير مرحب به... شيئاً فشيئاً تستيقظ على صوت المنبّه - لا تخفف أجمل أنغام الكون من قباحة صوته.

  يوم آخر يبدأ... أو بالأحرى، اليوم نفسه الذي عشته أمس، يبدأ مجدداً، كل يوم.

  أجمل لحظاتك، لحظتان: الاستيقاظ، عندما تكون أنت أنت، قبل أن ترتدي الشخص الذي يذهب إلى العمل. وعند لحظة الغفوة، حين تتعرى، من جديد، من ملابسك وخطوطك الحمراء، لتدخل عالم الحلم.

  الأيام هي هي.

  قد تلتقي كل صباح، شخصاً جديداً، وقد يكون عملك يقتضي كل يوم أن تقوم بأمر مختلف، لكنه في الواقع الأمر نفسه دائماً: عمل لم تكن لتقوم به لو لم تكن مجبراً عليه. لو كان لديك المال الكافي، لما كنت لتقوم بأي شيء منه في وقت فراغك. لن تنقل الصناديق إلى المستودعات... لن تضع الملصقات في شوارع بيروت... لن تتصل بالمشتركين لتحصيل الفواتير... وبالتأكيد لن تقدم الطعام لرواد مقهاك المفضّل.

  كل يوم تذهب فيه إلى العمل، تدفن هناك جزء صغير من أحلامك. في يوم من الأيام تستيقظ لتبحث عمّا تبقى منها، فلا تجد شيئاً.

  تلك الأحلام، التي اعتقدتها ممكنة عبر العمل... ذاك نفسه الذي منعك كل يوم من تحقيقها.

  كل يوم تذهب فيه إلى العمل، تدفن جزء من ذاتك. فأنت في الحياة إنسان، أما في مكان العمل، فأنت عامل... أو بالأحرى آلة عمل. الفرق شاسع.

  الإنسان يحيا، يحبّ، يبدع ويبتكر ويؤلف... الإنسان هو موسيقى ورسوم وعطور وشغف...

 أما العامل فهو جسم له يدان ورجلان تنفّذان العمل... أو في أفضل الأحوال، حاسوب بشري.

  كل يوم تذهب فيه إلى العمل، تستبدل جزء من الإنسان بداخلك... بآلة...

   العمل الذي تقوم به مرغماً، يدفع عنك البرد والجوع والمذلّة.. لكنه في واقع الأمر يسرقك. يسرق الإنسان من داخلك.

 

 

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية